زكريا القزويني
93
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
إبطال تعلق النفس بالبدن سهل بطريق سهل الاحترام ، وكما أن السراج ينطفيء بانتهاء الدهن ، فكذلك النفس تفارق عند انتهاء الرطوبة الغريزية بحدوث الحمى وغيرها ، والإنسان يعيش في مكان لا ينفطئ فيه النار ، لذلك إذا أراد أصحاب المعادن والخبايا دخول فتق أو مغارة أخذوا شعلة على رأس خشبة طويلة وقدموها ، فإن بقيت الشعلة دخلوها ، وإن انطفأت لم يتعرضوا لها وتركوها . والمصباح عند ذهاب دهنه وانطفائه ينتعش مرتين أو ثلاث انتعاشا ساطعا ثم يخمد ، كما أن الإنسان قبيل موته يزيد قوة وتسمى راحة الموت ، ولم يكن بعد ذلك لبث ، واللّه الموفق للصواب . ( النظر الثاني : في كرة الهواء ) الهواء جرم بسيط طباعه أن يكون حارا رطبا « 1 » شفافا متحركا إلى المكان الذي تحت كرة النار وفوق الماء . زعموا أن الأجرام الواقعة ما بين سطح الماء وسطح فلك القمر ثلاثة أقسام : أولها : ما يلي القمر ، وآخرها ما يلي سطح الماء والأرض ، وأوسطها الهواء الواقع بينهما . أما الهواء المماس لفلك القمر فلدوام دورانه مع الفلك وسرعة حركته صار نارا في غاية الحرارة ويسمى الأثير ، وقد مر ذكرها ، وكلما كان منهبطا إلى أسفل كان أبطأ حركة وأقل حرارة ، وكلما قلت الحرارة غلبت البرودة إلى أن تصير في غاية البرد ويسمى الزمهرير . وأما القسم الثالث : فإنه بواسطة مطارح شعاعات الشمس وغيرها من الكواكب على سطح الأرض وانعكاسها صار معتدلا ، ولولا ذلك لكان الهواء المماس لسطح الأرض أشد بردا مما سواه ، كما يعرض ذلك للموضع الذي تحت القطب الشمالي ؛ لبعد الشمس عنه فيبرد فيه الهواء
--> ( 1 ) فكر في هذا الهواء الحار والرطب وكيف يتعاوران العالم ويتصرفان هذا التصرف في الزيادة والنقصان والاعتدال بإقامة رسوم هذه الأزمنة الأربعة من السنة وما فيها من المصالح ، ثم هما بعد دباغ الأبدان عليهما بقاؤها وفيها صلاحها فإنه لولا الحر والبرد وتداولهما الأبدان لفسدت الأبدان وانتكست قواها وانتقضت في أسرع مدة ، ثم فكر في دخول أحدهما في الآخر وهذا التدريج والترسل فإنك تجد أحدهما ينتقص شيئا بعد شيء ، والآخر يتزايد مثل ذلك حتى ينتهي كل واحد منهما منتهاه في الزيادة والنقصان ولو كان دخول أحدهما في الآخر مفاجأة ؛ لأضر ذلك بالأبدان وأسقمها ، كما أن امرءا لو خرج من حمام حار إلى موضع مفرط البرد لضره ذلك ولسقم بدنه ، فلم يكن هذا الترسل في دخول الحر والبرد إلا للسلامة من ضرر المفاجأة ، ولم يجري ذلك الأمر على ما فيه السلامة من ضرر المفاجأة ، لولا تدبير المدبر في ذلك لولا الحر لما كانت هذه الثمار الجاثية المرة تنضج فتلين وتعذب حتى يتفكه بها رطبة يابسة ، ولولا البرد لما كان الزرع يفرخ ويريع الريع الكثير الذي يتسع للفوت ، وما يبرد في الأرض ، أفلا ترى ما في الحر والبرد من عظيم المنفعة فاعتبر بهذا ، فإنه تبدير الحكيم العليم ، انظر الدلائل والاعتبار بتصرف ( 12 ) .